أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
71
العقد الفريد
انتبهت من نومها جمعت أعوانها ثم نهضت فنبشته ، فوجدته صحيحا كما دفن لم تنحسر له شعرة ، وقد اخضر جنبه كالسلق من الماء الذي كان يسيل عليه ، فلفته في الملاحف واشترت له عرصة بالبصرة فدفنته فيها وبنت حوله مسجدا . قال : فلقد رأيت المرأة من أهل البصرة تقبل بالقارورة من البان فتصبها على قبره حتى تفرغها ، فلم يزلن يفعلن ذلك حتى صار تراب قبره مسكا أذفر . ومن حديث الخشني قال : لما قتل طلحة بن عبيد اللّه يوم الجمل ، وجدوا في تركته ثلاثمائة بهار « 1 » من ذهب وفضة - والبهار مزود من جلد عجل . وقع قوم في طلحة عند عليّ بن أبي طالب ، فقال : أما واللّه لئن قلتم فيه إنه لكما قال الشاعر : فتى كان يدنيه الغنى من صديقه * إذا ما هو استغنى ، ويبعده الفقر كأنّ الثّريّا علّقت في يمينه * وفي خدّه الشّعري وفي الآخر البدر « 2 » مقتل الزبير بن العوّام شريك عن الأسود بن قيس قال : حدثني من رأى الزبير يوم الجمل يقعص الخيل بالرمح قعصا ، فنوّه به عليّ : أبا عبد اللّه ، أتذكر يوما أتانا النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأنا أناجيك فقال : أتناجيه ، واللّه ليقاتلنّك وهو ظالم لك ! قال : فصرف الزبير وجه دابته وانصرف . قال أبو الحسين : لما انحاز الزبير يوم الجمل ، مرّ بماء لبني تميم ؛ فقيل للأحنف بن قيس : هذا الزبير قد أقبل . قال : وما أصنع به أن جمع بين هذين الغزيين « 3 » وترك الناس وأقبل ؟ - يريد بالغزيّين : المعسكرين - ، وفي مجلسه عمرو بن جرموز المجاشعي ؛ فلما سمع كلامه قام من مجلسه واتبعه حتى وجده بوادي السباع نائما
--> ( 1 ) البهار : شيء يوزن به . ( 2 ) الشعري : كوكب نيّر يطلع عند شدة الحر . ( 3 ) الغزيّ : جمع غاز .